الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
90
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أنبأنا أن للشياطين والجن مقدرة على الجدل ؟ . والجدل : المنازعة بمعاوضة القول ، أي هو الكلام الذي يحاول به إبطال ما في كلام المخاطب من رأي أو عزم عليه : بالحجة أو بالإقناع أو بالباطل ، قال تعالى : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ العنكبوت : 46 ] ، وقال : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ [ المجادلة : 1 ] ، وقال : يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ [ هود : 74 ] ، وقال : وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ [ النساء : 107 ] ، وقال : يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ [ الأنفال : 6 ] . والمراد هنا مطلق الجدل وبخاصة ما كان منه بباطل ، أي أن كل إنسان في طبعه الحرص على إقناع المخالف بأحقية معتقده أو عمله . وسياق الكلام يقتضي إرادة الجدل الباطل . [ 55 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 55 ] وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً ( 55 ) عطف على جملة وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ [ الكهف : 54 ] إلخ . ومعناها متصل تمام الاتصال بمعنى الجملة التي قبلها بحيث لو عطفت عليها بفاء التفريع لكان ذلك مقتضى الظاهر وتعتبر جملة وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [ الكهف : 54 ] معترضة بينهما لولا أن في جعل هذه الجملة مستقلة بالعطف اهتماما بمضمونها في ذاته ، بحيث يعدّ تفريعه على مضمون التي قبلها يحيد به عن الموقع الجدير هو به في نفوس السامعين إذ أريد أن يكون حقيقة مقررة في النفوس . ولهذه الخصوصية فيما أرى عدل في هذه الجملة عن الإضمار إلى الإظهار بقوله : وَما مَنَعَ النَّاسَ وبقوله : إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى دون أن يقول : وما منعهم أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى قصدا لاستقلال الجملة بذاتها غير مستعانة بغيرها ، فتكون فائدة مستقلة تستأهل توجه العقول إلى وعيها لذاتها لا لأنها فرع على غيرها . على أن عموم النَّاسَ هنا أشمل من عموم لفظ النَّاسَ في قوله : وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ [ الكهف : 54 ] فإن ذلك يعم الناس الذين يسمعون القرآن في أزمان ما بعد نزول تلك الآية ، وهذا يعم الناس كلهم الذين امتنعوا من الإيمان باللّه . وكذلك عموم لفظ الْهُدى يشمل هدى القرآن وما قبله من الكتب الإلهية وأقوال